غريغوريوس الملطي ( ابن العبري )
217
تاريخ مختصر الدول
وكان في هذا الزمان من الحكماء المشهورين بالمشرق السموئل بن ايهوذا المغربيّ الأندلسيّ الحكيم اليهوديّ قدم هو وأبوه إلى المشرق وكان أبوه يشدو شيئا من الحكمة وكان ولده السموئل قد قرأ فنون الحكمة وقام بالعلوم الرياضيّة وأحكم أصولها وفوائدها ونوادرها وله في ذلك مصنّفات وصنّف كتبا في الطبّ وارتحل إلى آذربيجان وخدم بيت بهلوان وأمراء دولتهم وأقام بمدينة مراغة وأولد أولادا هناك سلكوا طريقته في الطبّ ثم أسلم وصنّف كتابا في اظهار معايب اليهود ومواضع الدليل على تبديلهم التوراة ومات بالمراغة قريبا من سنة سبعين وخمسمائة . وكان في هذا الأوان أيضا الرحبي الطبيب نزيل دمشق من أهل الرحبة أصله كان من الرحبة حسن المعالجة لطيف المباشرة نزه النفس يعاني التجارة ورزق بها مالا جما وأولادا مرضيّي الطريقة لهم اشتغال جيد في هذا الفنّ وكان كثير التنعّم [ 1 ] حسن المركب والملبس والمأكل والمنزل يلزم في أموره قوانين حفظ الصحة الموجودة . وقيل له : ما ثمرة هذا . قال : ان يعيش الإنسان العمر الطبيعيّ . فقيل له : أنت قد بلغت من السنّ ما لم يبق بينك وبين العمر الطبيعيّ إلا القليل فأيّ حاجة إلى هذا التكلَّف . فقال : لأبقى ذلك القليل فوق الأرض واستنشق الهواء واتجرّع الماء ولا أكون تحت التراب بسوء التدبير . ولم يزل على حالته إلى أن أتاه أجله في أوائل سنة اثنتين وثلثين وستمائة وخلف ثلاثة بنين اثنان منهم طبيبان فاضلان وسيأتي ذكرهما . قال الرحبي هذا : استدعاني نور الدين محمود في مرضه الذي توفّي فيه مع غيري من الأطباء فدخلنا إليه وهو في بيت صغير بقلعة دمشق وقد تمكنّت منه الخوانيق وقارب الهلاك فلا يكاد يسمع صوته وكان يخلو فيه للتعبّد فابتدأ به المرض فلم ينتقل عنه . فلما دخلنا ورأينا ما به قلت له : كان ينبغي ان لا تؤخّر إحضارنا إلى أن يشتدّ بك المرض . الآن ينبغي ان تعجل الانتقال من هذا الموضع إلى مكان فسيح مضيء فله أثر في هذا المرض . وشرعنا في علاجه وأشرنا بالفصد فقال : ابن ستين سنة لا يفتصد . وامتنع عنه فعالجناه بغيره فلم ينجع فيه الدواء . ( الناصر بن المستضيء ) : ولما مات المستضيء قام ظهير الدين ابن العطَّار في أخذ البيعة لولده الناصر لدين الله أبي العباس احمد . فلما تمّت البيعة صار الحاكم في الدولة مجد الدين أبو الفضل بن الصاحب . وفي سابع ذي القعدة سنة خمس وسبعين وخمسمائة قبض على ابن العطار ووكل عليه في داره ثم نقل إلى التاج وقيّد وطلبت ودائعه وأمواله ثم أخرج ميتا على رأس حمّال سرا فغمز به بعض العامة فثار به العامة فألقوه عن رأس
--> [ 1 ] - التنعم ر الدرهم .